محمد الغزالي
121
خلق المسلم
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 1 » . * * * ومن قصص العفو التي لا مثيل لها بين الناس ، عفو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن زعيم المنافقين عبد اللّه بن أبيّ . فإن عبد اللّه هذا كان عدوا لدودا للمسلمين يتربص بهم الدوائر ، ويحالف عليهم الشيطان ، ويحيك لهم المؤامرات ، ولا يجد فرصة للطعن عليهم والنيل من نبيهم إلا انتهزها . وهو الذي أشاع قالة السوء على أم المؤمنين عائشة ، وجعل المرجفين يتهامسون بالإفك حولها ، ويهزون أركان المجتمع الإسلامي هزا بهذا الاتهام الدنيء ، وتقاليد الشرق من قديم تجعل عرض المرأة في الذروة من القداسة ، وتربط به كرامتها وكرامة أهلها الأبعدين والأقربين . ولذلك كان حز الألم قاسيا في نفس الرسول وأصحابه ، وكانت الغضاضة من هذا التلفيق الجريء تملأ نفوسهم كآبة وغما . حتى نزلت الآيات آخر الأمر تكشف مكر المنافقين ، وتفضح ما اجترحوا ، وتنوه بطهر أم المؤمنين ونقاء صفحتها . إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ « 2 » . ولقد أقيم الحد على من كانوا مخالب القط في هذه المأساة ، أما جرثومة الشر فإنه نجا . . . ليستأنف كيده للمسلمين وسوق الأذى لهم ما استطاع ! ! وكتب اللّه الفوز لرسوله وجنده واكتسح الإسلام مخلفات القرون المخرفة . وانحصر أعداؤه في حدود أنفسهم ؛ بل لقد دخلت عليهم من أقطارها وانكمش ابن أبيّ ثم مرض ومات ، بعد ما ملأت رائحة نفاقه كل فج . وجاء
--> ( 1 ) آل عمران : 133 - 134 . ( 2 ) النور : 11 .